Thursday, November 3, 2011

الدولة الفطرية

الدولة الفطرية


إن الدين الحق هو النظام الفطري الذي وضعه الله.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ 30:30]

فالقوانين التي سنها الله هي مبادئ فطرية دائمة ، وغير قابلة للتغيير.

اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [ 35:43]

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [33:62]

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [48:23]

فقتل إنسان برئ ، على سبيل المثال ، سيظل يعتبر دائما شيئا ضد القانون مهما كان الزمان والمكان.

فجوهر الدولة الفطرية أنها تكون محكومة بقوانين طبيعية ودائمة .


المبدأ الأول: المساواة في العدل


إن أغلب الناس سوف يتفقون على أن أهم ما يجب أن تتصف به أي حكومة هو أن يكون لديها نظام يتسم بالمساواة والعدل:

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [ 4:58]

ويجب أن يطبق هذا النظام على جميع أفراد الدولة بالتساوي . فلا يجب أن تكون هناك قوانين خاصة بطبقة دون طبقة، أو مجموعة من الناس دون مجموعة أخرى. وفي الواقع أن هذا النظام العادل يجب أن يطبق حتى على الأعداء. ولهذا فإن الله يقول لنا في كتابه الكريم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [ 5:8]


المبدأ الثاني: إفتراض البراءة

إن إفتراض براءة الإنسان الذي لم تثبت إدانته هو مبدأ من المبادئ المحورية التي وضعها الله في القرآن. والمثال الذي ضربه لنا في قصة داوود 26-38:21 يوضح ذلك. فقد لام الله داوود لأنه افترض أن المتهم مذنب دون أن يتحقق بطريقة موضوعية من ذلك الأمر . وعلاوة على ذلك فإن الشك الذي بلا دليل واضح يعتبر إثما في القرآن ، كما توضح الآية التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...[49:12]


المبدأ الثالث: علنية العدالة


من حق المدان أن يحصل على محاكمة عادلة وعلنية ، فالمظلوم من حقه أن يجهر بشكواه :

لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [4:148]


المبدأ الرابع: من حق المدان أن يواجه خصمه

فالآية 49:12 تفسر في العادة على أنها تتحدث عن السلوك الشخصي ، مع أنها في الواقع تشتمل على مغزى كبير بالنسبة إلى النظم العامة للحكومة. فهي توضح ، على سبيل المثال ، أن المتهم من حقه أن يواجه الشخص الذي يتهمه:

...وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [49:12]

وعلاوة على ذلك فإن القصص المتداولة بين الناس بلا أي دليل هي شيء مرفوض في أي محاكمة عادلة ، بل يجب علينا ألا نشهد سوى بما رأيناه بأنفسنا

وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [17:36]


المبدأ الخامس: معاقبة الشخص المذنب فقط


يجب معاقبة الشخص المذنب فقط ، وألا يمتد العقاب ليشمل أسرته ، أو أي شخص آخر(أنذر53:38 , 6:164)

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [53:38]


المبدأ السادس: لا يجب أن يتعرض الشاهد لأي أ ذى

لا يجب أن يتعرض الشاهد لأي أذى نتيجه لشهادته ، بما في ذلك أن يكره على الشهادة ضد نفسه:

... وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:282]


المبدأ السابع : العقاب مساويا للجريمة


يجب أن يكون العقاب مساويا للجريمة ، أو أقل منها. فالتمادي ، والمبالغة في فرض العقاب هما من الأشياء المكروهة في الإسلام (أنذر 42:40 , 5:45 , 17:33)

وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [42:40]

فالغرامات المبالغ فيها ، والمبالغة في القسوة عند فرض العقوبة هما من الأشياء المرفوضة.


المبدأ الثامن: لا يجب أن يدخل أي شخص منزلا دون أن يستأذن من صاحب الدار

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُون عَلِيمٌ َ [24:27- 24:28]

أي أن ملكية الشخص وأمنه الشخصي ، سواء كان جسديا ، أم فكريا ، يجب ألا يتعرضا لأي عدوان. فحرمة بيته يجب أن تصان ، فلا يدخل أي شخص عنوة إلى داره ، أو يتعرض للتفتيش ، أو للمصادرة ، أو للطرد (أنذر2:85). ويجب أن تكون ثروات الأفراد أيضا مصانة من أي انتهاكات (أنذر 2:188, 4:29).

وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل...ِ [2:188]

أما المباني غير السكنية ، أو التي تقدم خدمات عامة فهي لا تخضع لهذا المبدأ.

لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [24:29]


المبدأ التاسع : لا تجسس

وهناك قانون آخر في الآية 49:12 جرت العادة أيضا على تفسيره بمنطق ضيق على أساس أنه يتكلم عن السلوك الشخصي ، بينما هو يتكلم في الواقع عن مغزى أوسع من ذلك بكثير يتعلق بسلوك جهاز الحكم. وهو القانون الذي يمنع أي صورة من صور التجسس.

وَلَا تَجَسَّسُوا...[49:12]

فالمنع هنا له معنى عام ، ولا يقتصر على الأفراد فقط. وهذا يعنى أنه ليس من حق الدولة أن تكون جهازا للتجسس على رعاياها ، أو حتى على الدول الأخرى ، مهما كانت درجة عداء تلك الدول لها. فالفائدة التي تعود من وراء التجسس ، هي شيء مشكوك فيه بدرجة كبيرة. فالأشخاص الذين تجذبهم مثل تلك المهنة يكونون في الغالب ، بسبب طبيعة عملهم ، غير أهل للثقة ، وذوي شخصية متسلطة. وعلاوة على ذلك ففي الأوقات التي لا يكون هناك فيها أي تهديد للدولة يحاول هؤلاء الأفراد أن يختلقوا جوا مضطربا يبررون به وجودهم ، والميزانية الضخمة المكرسة لهم. ولهذا ينتهي بهم الأمر في لحظة ما إلى التجسس على شعبهم نفسه ، وإلحاق الضرر بأفراده.


المبدأ العاشر : العدل في العلاقات الدولية

إن النظام العادل بتطلب ، كما وضحت في المبدأ الأول ، أن يتم تطبيقه على الجميع على حد السواء. فيجب ألا تكون هناك أي تفرقة مبنية على النوع ، أو العرق ، أو الدين ، أو الجنسية. أي أن أي مواطن أجنبي ، ينتمي لدولة أخرى ، حتى ولو كانت تلك الدولة معادية ، تكون لديه نفس الحقوق التي يتمتع بها المواطن في ظل النظام العادل الذي يسود في الدولة الفطرية.

والدولة الفطرية لا يمكن أن تكون هي البادئة بالعدوان بأي صورة من الصورفي أي خلاف ينشأ بينها وبين دولة أخرى. ولكن ، علينا أن نتساءل ، حيث أن هناك رفض تمام لفكرة التجسس ، حتى ولو ضد الدول المعادية ، كيف يمكن للدولة الفطرية أن تحمى نفسها ضد أعداءها؟ والأجابة هنا هي : بواسطة الردع.

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون [8:60]

فالدولة الفطرية عليها أن تردع أعداءها المعروفين ، وأعداءها غير المعروفين أيضا (وهم الأخطر) بواسطة المحافظة على تفوقها التكنولوجي الذي يخضع للأسس التي تقوم عليها الدولة. فكلمة (خيل) هي صيغة مجازية تعبر عن التكنولوجيا. وهي قد أتت في الآية بصورة الجمع بينما كلمة (رباط) جاءت بصيغة المفرد مما يدل على أن مختلف أنواع التكنولوجيا يجب أن تخضع ، ويتم التحكم فيها ، بواسطة بنية منظمة واحدة.

ولكن كيف يمكن للدولة الفطرية أن تحقق التفوق التكنولوجي؟ والإجابة هي : بواسطة الإلتزام بسنة الله ، وبالتالي تحرير عقول أفرادها ، مما سوف يمكنها من تحقيق التفوق التكنولوجي بسرعة. ومثال ذو القرنين في القرآن يوضح ذلك. بل إن القرآن ينص صراحة على أن المؤمنين هم الذين ينصرهم الله (أنذر30:47 , 47:7) .

علاوة على ذلك فالقرآن ينص على ضرورة احترام المعاهدات المبنية على المبادئ التي سنها الله ، التي تعقد مع الدول الأخرى ، وهي المعاهدات التي يتم التعاون من خلالها لتحقيق كل ما فيه الخير للإنسانية.


المبدأ الحادي عشر : الحرية الدينية مكفولة تماما في الدولة الطبيعية

لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ 2:256]

إن الحكومات المتقدمة تضع حاجزا يفصل تماما بين الدولة والمؤسسات الدينية. أما المبادئ التي ينص عليها القرآن فهي تذهب إلى أبعد من ذلك. فهي تنص على أن كل فرد مسؤول عن معتقداته وعن الخلاص بنفسه في الآخرة.

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُون َ[ 6:94]

فالمؤسسات الدينية ليس لها أي وظيفة هنا. فكل إنسان عليه أن يفكر بنفسه ، فمسؤولية كل ما يتعلق بدينه تقع عليه ، وليس على القسيس ، أو الكاهن ، أو الشيخ.

وعلى الرغم من عدم وجود أي قيود على الحرية الدينية ، فإن هناك قيد واحد على السلطة الدينية يحول دون جعلها سلطة لإخضاع عقول الناس. وهذا المبدأ هو مبدأ عدم التكسب من وراء الدين. فالحرية الدينية الحقة لا يمكن تحقيقها سوى لو وضعنا مبدأ التكسب المالي بعيدا عن تلك المعادلة. وهذا يبدو واضحا في الآيات التالية :

وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [2:41]

فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [ 2:79]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ 2:174]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ [4:44]

إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ 5:44]

اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [9:9]

ومن الواضح ، حسب القرآن ، وحسب ما نسمعه عن تاريخ الأديان ، أن الطبقة الفاسدة من رجال الدين التي تصد عن الحرية الدينية ، تظهر كنتيجة مباشرة للكتسب من وراء الدين:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ 9:34]

ففي الدولة الفطرية يعتبر تكسب الأفراد من وراء مهنة رجال الدين شيئا غير قانوني ، حيث أن الدين لا يباع. ويتبع ذلك أن الدولة أيضا غير مسموح لها بتمويل رجال الدين مهما كان الدين الذي ينتمون إليه. وهذا سوف يضمن ألا تستغل الدولة رجال الدين للدعاية لها وتسويق أفكارها. وهذا سوف يضمن أيضا عدم ظهور أي طبقة من رجال الدين الفاسدين الذين يسعون للسيطرة على الناس ، واستعباد عقولهم. وبالتالي سوف تنتعش الحرية الدينية الحقيقية.

الناس أحرار في أن يقوموا بالعمل في مجال الدين ، سواء كأفراد ، أم كمجموعات ، ولكن هذا يجب أن يكون فقط على سبيل التطوع ، دون قبول أن مكسب ، أو أجر(مثلما يحدث الآن على هذا الموقع على الإنترنيت). وبالطبع لن يرضى المنافقون الذين يتكسبون من الدين عن مثل هذا المانع. أما الناس الذين يجدون مكسبا أكبر في القيم الدينية فسوف يرتاحون لذلك.

وكما رآينا آنفا أن الدين، حسب ما ينص عليه القرآن ، هو النظام الطبيعي للحكم في هذه الحياة. ومن هذا المنطلق فإن أستئجار ناس ليعملون في مجال الدين هو شيء بلا معنى. فهذا سوف يكون مثل استئجار أناس كي يقومون بالأعمال اليومية الطبيعية ، على سبيل المثال ، كعملية التنفس. ومن جانب آخر فإن هذا سوف يعنى أن المتاجرين بالدين سوف يضطرون إلى البحث عن سبل أخرى للتكسب.

عدا رجال الدين المزيفين سوف يتمكن الناس ، من جميع الأديان ، من أن يتبعوا النظام الإلهي الطبيعي بسهولة. و التعليمات الأخرى الموجودة في القرآن مثل الصلاة وعبادة الله وحده موجهة لكل فرد كي ينجى بنفسه ، ويجد ملجأ في رحمة الله ، ويجب عدم فرضها بالقوة على المجتمع ككل. ومثال آخر هو مثال الخمر والميسر. فقد ترك أمر الإجراءات التي تتخذ للحد منهما ، ومنعهما لكل مجتمع حسب ظروفه (مثال على ذلك القوانين التي تمنع الناس من قيادة السيارات وهم في حالة سكر).


المبدأ الثاني عشر: جوهر نظام الحكم

إن النظام الطبيعي الذي وضعه الله غير قابل للتغيير سواء بواسطة الحكومات ، أم بواسطة الشعوب ، بل يجب أن يلتزم كل منهما به. فاحكومة يجب أن تكون حكومة يتعاون فيها الجميع على تحقيق الخير لمخلوقات الله. فهي يجب أن تكون أداة بناءة لا تقوم بالعنف والجريمة.

... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [5:2]


المبدأ الثالث عشر : الحكومة المفتوحة

إن تحقيق مصالح الشعب ، والتعاون البناء من أجل مصلحة الإنسانية جمعاء ، يتطلبان ألا تكون هناك أي سرية في تعاملات الحكومة ، أواجتماعاتها ، أو اتصالاتها. كما تنص بذلك الآيات التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُون [58:9]َ

إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [58:10]

ومن أجل أن نضمن ذلك يجب أن تكون اجتماعات الحكومة مفتوحة أمام كل من يريد أن يستمع إلى فحواها. ولا يمكن أن نقبل في زمن لإنترنيت ، والتليفزيون ، أي عذر بسبب ضيق المكان. وهذا هو ما تنص عليه الآية 58:11.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [58:11]

وهذا المبدأ يشمل جميع أمور الحكم. وعلى تلك الحكومة المفتوحة أن تضمن حرية وسائل الإعلام ، وحق كل فرد في أن يحصل على معلومات عن الحكومة ، وأن ينقلها. ولكن الله يحذرنا في القرآن من أن ننساق وراء الشك دون أن التحقق من مصداقية ما نقوله ، وما ننقله. وهذا له أهمية كبيرة خاصة في هذا الزمن الذي تكون وسائل الإعلام فيه أحيانا منحازة ، أو مستغلة دعائيا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [ 49:6]


المبدأ الرابع عشر: ممثلوا الحكومة

ليس من حق أي حاكم مستبد ، أو مجموعة من الناس أن تغير من المبادئ التي نص عليها الله في القرآن ، سواء كان التغيير بأغلبية الأصوت ، حتى بالإجماع ، أوبقرار من الحكومة. ويجب أن يخضع اختيار من سوف يقومون بالحكم للإنتخاب ، حيث أنهم نقباء عن الشعب . وهذا منصوص عليه في الآية 5:12.

وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا...[5:12]

يجب أن تحقيق التوازن لنظام الحكم. فهذا سوف يضمن أن ألا تستبد مجموعة من الحكومة دون أخرى بالحكم ، ويقى الشعب شر الاستبداد ، والمستبدين.

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ 22:40]

ويمكن أيضا اتقاء مركزية السلطة من خلال إعطاء المجتمعات المحلية سلطات إدارية ، قضائية ، واقتصادية.

فالديمقراطية يجب أن يتم ترويضها ، داخل إطار الدولة الفطرية ، من أجل تمثيل الشعب بطريقة فعالة ومساوية ، والمحافظة على التوازن الطبيعي الذي يضمن إقامة مجتمع يسوده العدل.

ففي حالة غياب هذا الإطار الطبيعي سوف تتحول الديمقراطية إلى أداة في يد الأغلبية المستبدة على حساب الأقليات. وسوف يستغل الحكام بدهاء الديمقراطية من أجل تحقيق أطماعهم ، ويقودوه مرة أخرى إلى حكم الفرد المستبد. فهؤلاء الحكام يحاولون في العادة كسب عامة الشعب إلى جانبهم بوسائل ملتوية كثيرة ، مثل : مصادرة أملاك بعض الأقليات ، وإعطائها كرشوة لشراء تعاطف الأغلبية ، أو إيهامهم بأنهم في خطر عظيم ، سواء كان هذا الخطر حقيقي أم كاذب ، وأن خلاصهم يتوقف على طاعتهم لحكامهم ، وخضوعهم لكل القيود التي يفرضونها عليهم. وبالطبع لا توجد وسيلة أكثر فاعلية من الحرب لشراء تعاطف الأغلبية. ولهذا سنجد أن النظم الديمقراطية التي لا تضع أي قيود على رأي الأغلبية ، تتورط في كثيرا من الحروب.

أما في الدولة الفطرية فإن رأي الأغلبية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يلغي القوانين الطبيعية التي سنها الله سبحانه وتعالى. فتلك القوانين هي التي تضمن كرامة الإنسان ، والمساواة ، والأمن للأقليات ، وعدالة الحكم. فالمبادئ الفطرية التي في القرآن تضمن لكل فرد حقوقة ، حيث أن تلك المبادئ لا يمكن تخطيها سواء بواسطة قرار من الحكومة ، أو بواسطة أصوات أغلبية الشعب. ونتيجة لذلك سوف تتوفر البيئة التي يصبح كل شخص فيهاآمن على نفسه ، وماله ، وعمله. وبالتالي سوف يعمل كل فرد بكل طاقاته ، ومواهبة من أجل تحقيق أحلامه ، وتحقيق النفع لمجتمعه. فطاعة الشعب ، والحكومة لقوانين الخالق الطبيعية هي التي سوف تحقق الحرية ، وتضمن الاستقرار.

ونتيجة لتأمين الناس ، سواء الغني منهم أم الفقير ، و الإطار المستقر للدولة الفطرية ، سوف يمكن تحقيق الديمقراطية الاقتصادية. فمن خلال تكافئ الفرص ، وتقديم المساعدات المالية (أنذر9:60) سوف تصبح هجرة الفرد من طبقة إلى أخرى شيئا مستمرا ، وتتحقق المرونة في المجتمع ، وتقل فرص تكون صفوة ثابتة (أنذر 59:7).


إرساء دعائم الدولة الفطرية

إن الآية 13:11 تنص بوضوح على الشرط الوحيد لإرساء دعائم الدولة الفطرية: وهو أن أفراد تلك الدولة عليهم أن يغيروا ما بأنفسهم إلى الأفضل . فهذا هو السبيل الوحيد لتغيير ظروف حياتهم أيضا إلى الأفضل. وأفضل وسيلة تهدي إلى هذا الطريق الصحيح هي اتباع المبادئ التي في القرآن ، وإستلهام ما تمليه الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

... إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ[13:11]

إذن لا تتوقع أن يأتي إليك المهدى أوالمسيح ليخلصك من مشاكلك ، ويرسى لك دولة فطرية. فهذه المعتقادات الكاذبة ليست سوى مخدر للشعوب. بل في الواقع أنها السبب في تدمير العديد من الدول ، حيث تحقق الأغلبية الأكاذيب التي تبشر بالحروب والدمار.

والأمثلة التي تتوفر لنا في القرآن تبين لنا أنه حتى لو تم إرساء دعائم الدولة الفطرية ، فإن تلك الدولة لن تستمر سوى لفترة من الزمن. فالدولة المثالية لا وجود لها في دنيانا هذه ، بل هي ، كما هو واضح من القرآن ، لن تتحقق سوى للصالحين من الناس في الجنة.

ونموذج دولتي ، عاد ، وثامود يوفر لنا الرؤية الصحيحة للكيفية التي تفسد بها الدول ، فحتى الدول التي تبدأ بداية صحيحة يصيبها الفساد فيما بعد ، حيث أن المجرمون المغرورون موجودين في كل زمان ، ومكان.

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [6:123]

وعندما تساند الإغلبية في المجتمع طبقة المجرمون تلك تفسد الدولة. وعندما يحدث هذا يحاول المجرمون اختلاق الأعذار للتقليل من أهمية القانون الطبيعي ، وتبني قوانين ملتوية ، ومعقدة ، وغير واضحة. ولن يعاني من جراء تلك القوانين في البداية سوى الأقليات ، ولكن تدريجيا سوف يقع الجميع تحت سطوتهم.

ولكن ماذا سوف يحدث للأقلية في المجتمع التي سوف تتمسك بالنظام الفطري الذي شرعه الله؟ والآيات 4:97 , 29:56 , 39:10 تجيب على هذا السؤال.

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [ 39:10]

يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [29:56]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [4:97]

فالوسيلة الأكثر إحتمالا هي أن هذه الأقلية الصالحة سوف تهاجر إلى مكان آخر يمكنهم أن ينشئوا فيه دولتهم الفطرية. ومتى تم إنشاء الدولة في صورة تحالف ودي بين المجتمعات المحلية سوف تساعد حرية الانتقال فيما بينهم على الحفاظ على الخواص الفطرية للدولة من خلال تنافسهم على تحقيقها. فالمجتمع الذي يقهر مواطنيه ، على سبيل المثال ، سوف يفقد تدريجيا مواطنيه من ذوى المواهب الذين ما زالوا متمسكين بشريعة الله الفطرية. ولهذا السبب سنجد أن فكرة إنشاء حكومة واحدة على مستوى العالم كله أو حكومة مركزية قوية هي فكرة غير مقبولة. حيث أن الحكومات الكبيرة تميل في كثير من الأحيان نحو الطغيان ، والتسلط. وفي هذه الحالة لن يتبقى لمواطنيها مكان يهاجرون إليه.


المبدأ رقم خمسة عشر : يجب عدم وضع أي قيود على حرية الهجرة ، وحرية الحركة.

وهذا هو المبدأ المهم الذي أود أن أنهي به المقالة. شكرا على مشاركتك.

الحديث والسنه من اختراعات الشيطان


الحديث والسنه من اختراعات الشيطان
سورة الجاثية :
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)
سورة يوسف :
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ١١١
سورة لقمان :
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(6)
فالسنة الوحيدة التي يجب علينا إتباعها هي سنة الله.
ويعلمنا القرآن أن بعض أعداء النبي الذين وصفهم القرآن بأنهم من شياطين الجن والإنس سيؤلفون أكاذيب وادعاءات وينسبونها للنبي نفسه سورة الأنعام :
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112)
سورة الفرقان :
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا(31)
وهذا ما حدث بالفعل بعد موت النبي محمد , فالحديث والسنه اخترعوا وادعوا على النبي ادعاءا كاذبا فهناك العديد من الأدلة على أن الحديث والسنه من اختراعات الشيطان :
  1. 1. الحديث والسنه يتحديان التأكيد الإلهي في القرآن بأن القرآن كتاب كامل وتام ومفصل تفصيلا دقيقا وأنه يجب أن يكون المصدر الوحيد للهداية والتعاليم الدينية في الإسلام ( الأنعام : 114 , 38 ،19) (الجاثية : 6-7).
  2. 2. الحديث والسنه يفتريان على النبي نفسه افتراءات مشينة ومهينة فعلى سبيل المثال يرسم الحديث للنبي صورة الطاغية الجبار الذي لم يلتزم بالقرآن في العديد من الأحاديث التي نسبت له .
  3. 3. ولم يكتفي الحديث بذلك بل اختُرع تعليمات لم يقرها الله بناء على تخاريف وجهل وتقاليد كاذبة والتي تتنافى مع العقل والقلب والمنطق والبرهان ويجب أن لا ننسى أن النبي محمد قد منع في القرآن في آيات شديدة الوضوح والقوه من أن يصدق على آية تعاليم دينيه غير القرآن ( الحاقة : 38 - 48 ) .
  4. ويحاول بعض المسلمين أن يجدوا حلا وسطا لهذا التناقض بين القرآن الكريم والحديث والسنه . فيقولون " لو اتفق حديث مع القرآن فسنقبله وإذا لم يتفق مع القرآن فسنرفضه " وعلى الرغم من سلاسة هذه الفكرة فإنها تكشف عن أن هؤلاء الناس لا يصدقون الله في تأكيده أن القرآن كامل ، شامل ، تام ومفصل تفصيلا دقيقا .
ففي اللحظة التي يبحث فيها هؤلاء الناس عن طريق للهداية في أي مصدر غير القرآن أو بجانب القرآن مهما كان مؤلف هذا المصدر فإنهم يقعون في قبضة الشيطان انظر سورة (المنافقون :1) والسبب واضح فلقد اعترضوا على تعاليم الله وكلماته ونصبوا إلها آخر مع الله ( الكهف : 57 )
لقد بينت المعجزة الحسابية للقرآن البراهين الحسابية الدقيقة التي تؤكد أن القرآن وحده هو المصدر الوحيد لآي تعليمات دينيه فعل سبيل المثال:
1. 1. الآية القائلة ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) هي الآية رقم 38 = 19 x 2 وتتكون من 19 حرفا عربيا .
2. 2. الآية التي تقول ( أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) هي الآية رقم 114 = 19 x 6 وتتكون من 19 حرفا عربيا 




(الجاثية: 6-10)
تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٦وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٧يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّـهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٨وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٩مِّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ أَوْلِيَاءَ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠







( الأنعام : 115,114 , 38 ،19)
<><><><> <><><><> <><><><>
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّـهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّـهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ١٩
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ٣٨
 أَفَغَيْرَ اللَّـهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿١١٤وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴿١١٥




( الحاقة : 38 - 48 )


فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٩إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿٤٠وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٣وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴿٤٤لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿٤٥ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴿٤٦فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴿٤٧وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨



اسـطورة الـحـديـث

اسـطورة الـحـديـث

وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاًسورة الإسراء - الآيه 36
إن هذه الآية الكريمة تستطيع ان تفعل المعجزات للباحثين في دين الله فهي بمثابة التذكرة الدائمة بالمعايير والشروط المطلوبة لقبول وتأييد ما يُسَوق لهم على انه أحكام مصدرها الله عز وجل.
الله يأمرنا كبشر بأن نستخدم نعمه التي انعم علينا ( حواسّ البصر والسمع والفؤاد) لكي نستطيع التَحقق واستبيان الحق من الباطل... الأِتّباع الأعمى هو من الأمور التي نحن ممنوعون من ممارستها في القرآن والتي هي من علامات الكفر:
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَسورة البقرة - الآيه 171
في حقيقة الأمر، أن القرآن يدعوا الى العكس تماماً من ذلك (الأتباع الأعمى) بل ويحضّ على التفكير والتأمّل لكونهما الطريق الوحيد لأِدراك وتقدير الرسالة التي أتى بها القرآن.
لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سورة الحشر - الآيه 21
تـاريخ الحديث:
في عصرنا الحالي يعتبر "الحديث" جزأً لا يتجزأ عن الاسلام المعاصر والحديث معروف اجمالاً بأنه مجموعة أقوال وافعال الرسول عليه السلام و المنقولة شفوياً عن طريق معاصريه.
الحديث يُعتبر المصدر الثاني (من بعد القرآن) للتشريع في الاسلام. وقد طـُوِّر الحديث الى علم قائم بذاته حيث ينفق البعض الجزء الأعظم من حياتهم في دراسة الحديث و مؤلفاته.
يُعَلّـم المسلمون ان النبي عليه السلام قد جاء بالقرآن وكذلك بأقواله "الحديث" وأفعاله "السّـنه". ويعتقد المسلمين ان هذه هي دعائم الاسلام والتي لا يمكن فصلها عن بعضها والا فان الاسلام سوف ينهار في غياب أي من هذه الدعائم.
لا شك انك ستدهـش اذا علمت أن "الحديث" لم يُـجمع و يُصنّف الا بعد اكثر من مئتي عام بعد وفاة الرسول، بدأها الامام البخاري (توفي عام 256 هجري/ 870م) ومن بعده مسـلم (توفي عام 261 هجري/ م875) وابو داود (توفي عام 275 هجري/ م888) والترمذي (توفي عام 270 هجري/883م) وابن ماجه (توفي عام 273 هجري/886م) والنسائي (توفي عام 303 هجري/ م915).
يقول البخاري (يّـعتبر المصدر الأول للأحاديث الصحيحة) في افتتاحيته انه من مجموع ما يقارب الستمائة ألف حديث المعروفة لديه حينذاك استطاع ان يّـوثق 7,397 كأحاديث صحيحة عن الرسول. هذا اعتراف صريح من مؤيدي "الحديث" بأن 98.76% من ذلك الذي قدموه للناس ليؤمنوا به على انه المصدر الثاني للوحي بعد القرآن ومن اكبر مصادر التشريع الاسلامي ، هو ليس إلا محض اكاذيب !
مما لا يلاحظه الناس هو ان تاريخ الحديث نفسه قد تم تجاهله و عومل كأن الاحاديث تمت كتابتها خلال فترة حياة رسول الله عليه السلام للحفاظ عليها. بينما في الواقع ان السجلات بينت انه كان هناك امر من الرسول ينهي عن تدوين الحديث و قد تمت اطاعة و التقيد بهذا الأمر خلال حياة الرسول وحتى بعد مائة عام من وفاة الرسول الكريم.
أخرج أحمد، عن همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه (عليه السلام) : «لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب شيئاً سوى القرآن فليمحه». (1)(1) مسند أحمد: 3|12 و صححه مسلم 72
هذا من الاحاديث اللذي يعترف به علماء الحديث في كل العالم , ولكنهم يبررون النهي بان النبي خشي ان يختلط الحديث والقرآن على الناس و ان النهي عن كتابة الحديث انما كان من باب الاحتياط.
من الامور التي لا يستطيع علماء الحديث هؤلاء ان يفسروها هي انه لماذا ظل النهي عن كتابة الحديث قائما لمدة 30 عاما بعد وفاة الرسول و هي المدة التي قد تم خلالها جمع القرآن الكريم!
أخرج أبو داود في سننه، عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت على الخليفة معاوية، فسأله عن حديث فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول اللّه أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه.(1) 1 . سنن أبي داود: 3|318ـ 319 برقم 3647.ورواه أحمد في مسنده:3|12 عن أبي هريرة.
استنادا الى كتب التاريخ الاسلامي , فان النهي عن كتابة الحديث كان قد توقف بعد ثمانين عاما من وفاة الرسول على يد عمر بن عبد العزيز (وهو من احفاد الخليفة عمر بن الخطاب). في الواقع انه المفارقة كانت ان عمر بن الخطاب كان من اشد المعارضين لتدوين اي من امور الدين سوى القرآن.
مما روي عن عمر بن الخطاب انه "أخبرنا خلف بن سعيد نا عبد الله بن محمد نا أحمد بن خالد نا اسحق بن ابراهيم نا عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عروة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا"(1)
(
1) المصدر:جامع بيان العلم وفضله - اسم المؤلف: ابن عبد البر - العنوان: باب ذكر كراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف - الجزء: 1 - الصفحة: 64
كما ذكرنا سابقا، خلال الفترة القصيرة نسبيا وهي فترة 200 عاما بعد وفاة الرسول (ليس سوى 130 عاما بعد رفع النهي عن تدوين الحديث) كان هناك اكثر من ستمائة الف حديث في التداول خلال فترة حياة البخاري وكانت جميع تلك الاحاديث تنسب الى الرسول عليه السلام. البخاري نفسه اقر بانه أمضى حوالي اربعين عاما في دراسة الحديث وانه استطاع ان يتحقق من صحة 1.24% من مجموع الكلي للاسانيد.
المشكلة في الحديث
البخاري والاخرين الذين جاؤوا من بعده امضوا سنين عدة في البحث و التدقيق في الاحاديث حتى اصبح الحديث علما قائما بذاته. خلال فترة زمنية بسيطة تتبع خطى البخاري رجال مثل مسلم (توفي عام 261 هجري / 875م) وابو داود (توفي عام 275 هجري/ 888م) والترمذي (توفي عام 270 هجري/ 883م) وابن ماجه (توفي عام 273 هجري/ 886م) والنسائي (توفي عام 303 هجري / 915م) والذين اصبحوا من اشهر جامعي الحديث.
على الرغم من ان المعرفة بأن باحثي الحديث هؤلاء قد استعملوا عملية التدقيق قد تعطي قاريء هذه السطور شعوراً بالاطمئنان، يجب ان توضح ماهية عملية التدقيق هذه تحديداً.
الاســـناد:
اعتمد البخاري على ما يدعى بعلم الاسناد وهو من اختراع البخاري نفسه، والذي يمكن تعريفه باختصار بان الحديث يُرفض أو يُقبل حسب الراوي الذي نُقل عنه الحديث.
درس البخاري أصحاب الرسول و اعتبرهم جميعاً أهلاً للثـقة. بعد ذلك سئل عن الذين جاؤوا بعدهم، واذا اتفقت "شائعات أو مشافهات" الناس حسب ما سمعوه على ان فلانا كان حسن الصيت اخذه البخاري على انه ثـقـة لأسناد الحديث دون اية مشكلة.
لكي يتخطى هؤلاء عقبة "النزاهة" المتمثلة في ان الحديث المجموع كان مبنياً على الشائعات والمشافهات المتداولة "فلان سمع من أو عن فلان" وجد البخاري حديثاُ ملائما جداً للغرض وهو حديث يعطي لأصحاب الرسول والغالبية من رواة الحديث قدرات في الحفظ والذاكرة تفوق قدرات البشـر بحيث يستطيعون ان يتذكروا اقوال الرسول حرفياُ دون اي اضاعة او نسيان او تحوير.
على الرغم من ان الطريقة المتبعة اعلاه قد لا تعتبر علمية او نزيهة او موضوعية للكثيرين، كانت هذه بالفعل الطريقة المستخدمة لوضع المصدر الثاني من مصادر الشرع الاسلامي.
-------------------------
بينما استطاع القليل القليل من الغرباء و الدخلاء من التساؤل عن مصداقية القرآن الكريم، لم يتوفر للحديث الحظ ذاته! فقد استطاع الكثيرون من الجماعات المعارضة و الديانات الاخرى من ان يكون احراج المسلمين بالاحاديث المشبوهة ممارسة متواصلة، منها الحديث الذي يقارن المرأة بالحمار (حديث عن مبطلات الصلاة) أو الحديث الذي يقول عن ان اغلب اهل النار هم من النساء (حديث الاسراء والمعراج).
رد فعل المسلمين على هذه الممارسات يأتي عادة على شكل الغضب الانفعالي و محاولة التملص، ويأتي الجواب بأن همّ هؤلاء المهاجمين للحديث هو التجريح بالرسول. المر الذي لا يدركه هؤلاء المسلمون هو ان "الحقائق" تستطيع التصدي و الثبات في وجه اي قدر من الاتهامات و الاستجوابات.
مسائل اخرى حول الحديث:
لو ان توقف الامر على ان الاحراج هو الشيء الوحيد الذي يسببه الحديث اهان الامر و لم يكن لدينا مشكلة.
لكن مغبة هذه "الشائعات" التي اوجدها المسلمين لانفسهم هي اكبر بكثير من الاحراج وحده.
يولد البشر و لديهم الميل الطبيعي للتساؤل و حب الاستطلاع. من منا لديه اطفال و لا يعرف انه مهما نهيت و نهرت الاطفال بقولك "لا" فانهم سوف يكررون محاولة لمس انية الطبخ الساخنة او اللعب بالتراب على سبيل المثال لكي يستطيعون معرفة لماذا لا يجب عليهم ان يلمسوا هذا الشيء او ذاك. غريزة حب الاستطلاع هي خاصية انعم الله بها على البشر لكي نستطيع بواسطتها ان ننمي معرفتنا و لا نتقبل سوى الامور التي نفهمها و نعقلها
عندما كان المسلمون يحيون ويحكمون بالقرآن، لم تك هناك اي مشاكل بالنسبة لغريزة حب الاستطلاع لأن القرآن يحوي على الجواب لكل سؤال ... وقد شهد المسلمون لذلك السبب نمو فكري منقطع النظير في تاريخ العرب بل في العالم اجمع في ذلك الزمن
تربى اولاد المسلمين و لديهم نزعة التساؤل و التحقق الامر الذي جعلهم يجدون انفسهم في بيئة مفتوحة لم يوجد فيها حرج او حظر عما لا يُسمح السؤال عنه او الاطلاع عليه. نمّت تلك التساؤلات شهية لا حد لها للعلم والمعرفة، والتي اسفر عنها اكتشافات و تقدم في غالبية مجالات المعرفة
بعد تلك الفترة الزاهرة التي اجج فيها القرآن ثورة فكرية ومعرفية في عقول المسلمين بحوالي 200 عام ... طرأ تغيير على شيء ما
بدأت عملية طرح الحديث بشكل واسع الانتشار مما اكسبه شعبية و بشكل تدريجي بدأت تظهر مشاكل مختلفة متعلقة بتعليم المسلمين. لم يكن الحديث حتى اهل للمقارنة بالقرآن على نفس المستوى لأن لغة واسلوب الحديث كانت ادنى و لأنه مبني على الشائعات والظن
وجد مروجي الحديث انفسهم محرجين ومحاصرين بشكل مستمر من المسلمين الصادقين في طلب العلم والذين طالبوا باجابات من اصحاب الحديث عن تعارض واضح و مضمون غير منطقي
لا يسعنا سوى التكهن بأن إعتماد الحديث كمصدر للتشريع الإسلامي قد جاء بعد بضعة قرون من بدء البخاري عملية جمع الأحاديث ، وقد تم ذلك الاعتماد فقط من خلال فرض الحديث على عامة المسلمين مع الرفض لمحاولات التدقيق والمسائلة
في ايامنا هذه ، يتعلم اطفال المسلمين في المدارس منذ نعومة اظفارهم ان لا يتسألوا وأن لا يتحققوا من امور دينهم ومصادره كي يتجنبوا غضب الله عليهم ويتجنبوا سلوك الطريق المؤدي الى نار جهنم
واذا تجرأوا وسئلوا تأتيهم الاجابة عادة على الشكل التالي : "هل تظن انك افضل او اعلم من السابقين الذين قاتلوا مع الرسول؟" أو "هل بلغ كره الرسول عندك الحد الذي يدفعك للتشكيك في سُـنته؟"
بهذا الوابل من الإتهامات وفي مرحلة مبكرة يتعلم تلاميذ المسلمين ان ليس باستطاعتهم إلا التسليم بكل ما يعطى لهم دون تفكير او تحقيق... وهكذا دواليك، عندما يكبروا يعيدون هم الكرة ويعلمون الجيل الجديد ما تعلموه هم عن عاقبة عدم احترام الرسول والذهاب الى جهنم
القـصـة الحـقـيـقـيـة
مع ان المعطيات التاريخية تترك الكثير دون الاجابة عليه، تأتينا الوقائع بما هو أخطر بكثير مما نتوقع
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
سورة يونس - الآيات 15-18
تصرّح الآيات أعلاه بشكل في غاية الوضوح بأن الذين لم تكون قلوبهم مطمئنة برسالة رب العالمين طلبوا من نبي الله ان يأتيهم بقرآن غير الذي معه أو أن يغيره
وما كان جواب الرسول محمد إلا ان قال :"مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ"
لم يكن النبي ليأتي بدين من عنده ليلبي رغبات و نزوات الذين من حوله ... فقد أُمِـرَ بأن يتبع القرآن و لا شيء غير القرآن
ومع ذلك ، يبدوا جليـاَ ان الذين لم يتقبلوا او يقتـنعوا بالرسالة التي أتى بها النبي محمد ، بدأوا بعد وفاته بتغيير القرآن بالإضافة والزيادة على القرآن
يبدوا ان هؤلاء الناس والذين أخذوا ينشرون التعاليم المختلقة و ينسبونها الى الله عز وجـل لم يأخذوا بعين الإعتبار التحـذيـر النبـوي لهم:
أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَسورة الأنعام - الآيات 114 - 116
عـلّم الرسـول الناس أن لا يبحثوا عـن مصـدر للأحكام سـوى الله سبحانه وتعـالى لأن الله قـد بعـث لهـم كتابـا مفصّـلا!
وأنـذَرّ الرسـول الناس بأن لا يتّـبعوا الأكثريـة لأنـه كان يعـلم بأنـهم لا يتّـبعون إلا الظـن.
ولكن، على الرغم من كل تلك التحذيرات الواضحة، لم يستطع الذين جاؤوا بعد النبي محمد ان يقاوموا ان يفتروا الأكاذيب بأن القرآن الكريم غير مفصـل وأن القرآن بحاجة الى ما هب ودب من كلام الناس وشائعاتهم ليتم تفسيره بوضوح
بل ادعوا أنه مع ان القرآن اتى كاملآ (كما قال الله)، فقد ظل هناك الكثير من النواحي الفقهية التي لم يشملها القرآن والتي يجب تغطيتها
ربما لأنهم لم يتفكروا أو يتمعنوا في الآية الكريمة التالية
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَسورة النحل - الآية 89
في ظل هذه الحجة الدامغة، يصبح الأمر في غاية الصعوبة على عباد الله المخلصين أن يديروا ظهورهم لما يقوله الله في القرآن و يسّـلموا اقدارهم للناس الذين لم يكن الله و كتابه كافياً لهم
أحســن الحـديــث
لهؤلاء الذين تتبقى لديهم الرغبة بالتمسُّـك "بالحديث" بعد الأدلة التي قدمناها ... نقول لهم ان هناك حديث واحد وجدنا انه موثوق به وصحيح المصدر وننصح جميع البشر بأن يأخذوا به ويتبعوه:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ سورة الزمر - الآية 23
خـاتـمــة
عبادة ما دون الله ، أو الشرك بالله سبحانه وتعالى هو الذنب الوحيد الذي لا يغتـفـر كما أخبرنا القرآن. ومع ذلك يبدو أن قلوب أكثرنا غير قادرة على الإكتفاء بالله وحده بدون شركاء
إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًاسورة النساء - الآية 48
ليس هناك أعظم من الإختبار الالهي والذي يتمثل بالآتي:
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَسورة الزمر - الآية 45
والآن سؤالنا هو: هـل ضقت ذرعـاً بهـذا الكلام عن التمسك والإقرار بالقرآن وحـده ؟ أم هـل انشرح صدرك وآمـن قلبـك؟
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ سورة الزمر - الآية 45